كثيرًا ما نقرأ في مواقع التواصل الاجتماعي آراء لا ترى أهميّة العناية بالنشاط الثقافي والفني، وهي آراء تتساءل عن ترتيب الأولويات، وترى أنّ معالجة قضايا الإسكان والبطالة أولى من قضية الثقافة ومناشط الفنون، وهم يرون أنّ إشكاليات الثقافة تنضوي ضمن هموم المترفين.

 ولاستيعاب توجّه الدولة لا بدّ أن نعيد النظر في المحاور الثلاثة للرؤية 2030: المجتمع الحيوي؛ والاقتصاد المزدهر؛ والوطن الطموح. والاهتمام بالثقافة، حسب رؤية الدولة، يحمل بعدًا اقتصاديًّا واضحًا، فكيف يمكن أن تسهم الثقافة والفنون في بناء اقتصاد مزدهر؟

 لقد اقترحت إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو ، مبادرة عالمية عام 2011 بعنوان "الثقافة: جسر إلى التنمية" ، وأدرجتها في برنامج وميزانية مدة السنتين 2012-2013 لليونسكو، وتستهدف هذه المبادرة الترويج للطرق المبتكرة والخلاقة التي تجعل الثقافة جسرًا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية المستدامة، ولتعزيز الإبداع والصناعات الثقافية والتراث الثقافي بجميع أشكاله ليكون أداة قوية وفريدة من نوعها لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، إضافة إلى التنمية البشرية، وخلق فرص العمل، والتماسك الاجتماعي، والتعليم والتفاهم المتبادل، ومن ثمّ توفير فرص جديدة للتعاون الدولي. 

فالثقافة والفنون وسيلة لبناء مجتمع حيوي صحي، فالسعوديون يسافرون إلى الدول وينفقون ما يقارب التسعين مليار دولار سنويًا، وذلك لزيارة المتاحف الثقافية والفنية، وحضور المسارح والسينما، والمهرجانات العالمية، والمعارض الدولية، ومدن الألعاب، إضافة إلى الاستمتاع بالطبيعة والأجواء الجميلة. ولو استطاعت المملكة تقليص هذه الأرقام، وزيادة أرقام السياحة الداخلية، عبر صناعة ثقافية فنية؛ فستكون قد بنت مجتمعًا حيويًا وبيئة غير طاردة.

 وربما كان الهمّ الأكبر الذي يجتاح معظم السعوديين هو تهديد الهوية الدينية واللغوية والاجتماعية، وهذا الأمر تحدّ تعيه الدولة، فالأهداف الإستراتيجية لوزارة الثقافة في برنامج التحول ٢٠٢٠ تركز على ترسيخ منهج الوسطية والتسامح، والمحافظة على الإرث الثقافي والتاريخي السعودي والعربي والإسلامي، والمحافظة على الهوية الوطنية وإبرازها والتعريف بها ونقلها إلى الأجيال القادمة، ودعم وإثراء النشاط الثقافي. وحديث سموّ وليّ العهد مع مجلة بلومبيرغ بيّن أنّ الدولة تراجع كلّ الأنظمة المستحدثة بعد ١٩٧٩ لضمان بقاء ما هو إسلامي، واستبعاد ما أُلبس رداء المحظور، وهو في جوهره ليس كذلك. فالمملكة تستشعر فداحة الانسلاخ من القيم الدينية والوطنية، مهما كانت الغايات، وهي في الوقت نفسه تريد بناء مجتمع حيوي وبيئة غير طاردة، بإقامة المسرحيات المميزة، وإنتاج الأفلام التي لا تتعارض وهويّة هذا البلد الذي يعدّ قاطرة العالم الإسلامي وقبلته. 

 وهذا الحراك من شأنه أن يُسهم في تنمية ثقافية اقتصادية وصناعة ثقافية.

 فالفنّ حاجة بشريّة، ويمكن أن يحمل رسالة سامية للإنسانيّة والوطن والفرد، فالفنون جوهر التحضّر، وأتذكر أنّ أحد ضيوف جامعة الملك سعود من الأكاديميين الحاصلين على جائزة نوبل قال قبل ثماني سنوات في قاعة حمد الجاسر: لاحظت أنكم تهتمون بالعلوم وتهملون الفنون، وهذا تفكير مادي لا يمكن أن يهبكم التطور والتقدم، فالعلوم هي جسد التطور، والفنون هي روحه! 

كل الأمم المتقدمة تُعنى بالثقافة والفنون، بل إنّ الحضارات التي زالت أبقتها فنونُها في الأدب والرسم والعمارة والزخرفة على قيد الحياة. 

 كما أنّ للثقافة والفنون دورًا إعلاميًا مهمًا، ومن أهم أدوار المثقف أن يعطي معاناة وطنه أو أمته بُعدًا إنسانيًا، وأن يخلّد التجربة التاريخية للوطن وأبنائه، فالروائيون والشعراء والرسامون أثْروا أوطانهم بنتاجهم الأدبي، ولا أزال أتذكر كلمة أحد المثقفين الفرنسيين في مهرجان الأفلام السعودية القصيرة بباريس: مهما تخيلت، لن تدركوا أهمية هذه الأفلام ودورها في تغيير الصورة النمطية السلبية عن السعودية عند كثير من الفرنسيين، فرؤية صور عن شوارع المملكة وعماراتها وما تنبض به من حياة، 

 والشعور أنّ هذا البلد يملك شغفًا بالفنون والثقافة وليس كما يُصوّر؛ فهذا أفضل الطرق لتغيير الصور النمطية السلبية التي لا يمكن أن تغيرها الخطابات الإعلامية التقليدية، مهما كانت بلاغتها. 

وأخيرًا، أودّ التأكيد أنّ المؤسسات الثقافية الرائدة في المملكة، ومنها الجمعيّة العربية السعودية للثقافة والفنون، قامت في مراحلها الأولى ولا تزال على جهود المثقفين والفنانين السعوديين، الذين يملكون ما سمّاه إداوارد سعيد "نزعة الهواية"؛ وهو ألا تكون غاية المثقف الربح والمكافأة؛ بل الدافع الأهم هو "الشغف"، والاهتمام الذي لا يفتر، وهذه الصفة هي الامتحان الحقيقي للمثقف. ولكنّ هذه الفئة من المثقفين انحسرت وقلّ عددها، وذلك بسبب الطبيعة الاستهلاكية المحمومة التي اجتاحت العالم، وبسبب زيادة إنفاق المؤسسات والهيئات الحكوميّة على الثقافة والفنون، ومن ثمّ أصبح من المهم تغيير سياسات المؤسسات الثقافية غير الربحية وزيادة مواردها المالية لمواجهة التحديات، وتقديم مقابل مادي ومعنوي لائق ومناسب، مع إبقاء جذوة "الشغف" الذي يميز الفنان متّقدة.

 وجهود هذه المؤسسات لا يمكن أن تُستكمل دون تفاعل المثقف الوطني، والمثقف الوطني الذي أعنيه ليس المثقف النخبوي المنعزل عن مجتمعه المتعالي على محيطه، الذي يعيش إحباطات بسبب قصور المجتمع عن مجاراة تفكيره! 

المثقف الوطني في ظني هو المثقف العضوي الذي يشارك في جميع مناشط الحياة، ويملك الوعي بأهمية الثقافة والفنون، ودور الثقافة في تكوين الفرد والمجتمع، لأنّ الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء، كما يقول إليوت. كما يسعى المثقف الحقيقي لتعقب صور التعصب وفضحها، وليس مهمًا أن يكون هذا المثقف متخصصًا في الأدب، وهي الصورة النمطبة للمثقف، بل يمكن أن يكون مهندسًا أو طبيبًا أو نجارًا، ما دام يملك الوعي والشغف، والرغبة في أن يكون جزءًا من النسيج الثقافي لا أن يبقى في معزل. ومن البدهيّ أن موضوعيّة المثقف تتغلب على نرجسيّة الفنان في المثقف العضوي، ومن ثمّ يتعامل مع الممكن وليس المستحيل. 

 الفن حياة، والمملكة اختارت أن تعيش..


د. عمر بن عبدالعزيز السيف

رئيس مجلس الإدارة

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة